الزُهد الحديث


في سنة ١٩١٣ وصل غريبٌ إلى قريةٍ نائية من قرى النرويج وشيّد لنفسه كوخاً صغيرًا على ضفاف بحيرة إيدسفاتنت، وانصرف إلى التأمّل الذي أنتج “رسالة منطقية فلسفية” Tractatus Logico-Philosophicus — وهي في معظمها ثمرةُ تلك العزلة في “سكولدن” — ثم استُكملت فصولُها أثناء أسره بإيطاليا في الحرب العالمية الأولى، ثم نُشرت سنة 1921، وقد جاءت في أسلوبها ومادّتها وصياغتها على سمتٍ زاهدٍ متقشّف؛ فكانت فاتحةَ عهدٍ جديد في الفلسفة الغربية، ورفعت مؤلفها لودفيج فتجنشتين‎ إلى مصافّ أعلام الفكر في القرن العشرين.

وليس هذا المزاجُ الزاهد حصراً  على فتجنشتين‎؛ بل شاركه فيه عددٌ من كبار الفلاسفة والعلماء والفنانين ممّن امتدّ أثرهم، ولم يكونوا كلّهم منقطعين عن الناس، غير أنّ كثيرًا منهم آثر العيش البسيط الذي يكاد يشبه عيش الرهبان، فقد كانت ماري كوري، وألبرت آينشتاين بمنأى عن فتنة الترف، فصرفا أموال جوائزهم العالمية في تثبيت مشاريعهم أو أعمالهم الإنسانية، وقبلهم كان ميكيلانجلو يتلقّى عطايا سخية من البابا يوليوس الثاني ومن آل مديتشي (من العوائل الثريّة بفلورنسا)، ثم يحيا مثل الفقير المُعدَم؛ وكذلك سارت سيمون فايل على مثال الزهد قولًا وعملًا؛ فبذلت حياتَها بالعزلة المقصودة، وبالتزام أن تحيا متضامنةً مع المقهورين.

أما في الأدبيات العلمية فغالباً ما يتم تناول الزهد على وجهين: يُنظر إليه تارةً بوصفه ممارسة دينيّة، قوامُها كفّ النفس وتهذيبها ابتغاءَ الكمال الروحي؛ وتارةً أخرى بوصفه ظاهرةً أوسع في الثقافة تعني كلَّ فعلٍ يضع المرءُ به على نفسه حدوداً لا يتجاوزها لغايات أخلاقية أو سياسيّة أو اجتماعيّة، ويذهب كثيرٌ من الذين يرجّحون الوجه الثاني إلى أنّ الإنسان لديه استعداد وقابلية للزهد، وأنه معنى عام يعبر الثقافات ويقوم مقامَ أصلٍ من أصولها، ومن ذلك أنّ الناقد الأدبي جالت هارفام شبّه الزهد — في كتابه “إلزام الزهد في الثقافة والنقد، ١٩٨٧” — بما يشبه “نظامًا” تقوم عليه صورُ التعبير الثقافي وتتفرّع منه؛ ثم أكمل على نهج فرويد إلى أنّ القدرة المتعمقة في الإنسان على تقييد الغرائز هي من القوى التي تدفع إلى إنتاج الثقافة وصنعها.

ويتسق هذا مع أطروحة ماكس فيبر — على ما فيها اليوم من جدل — إذ رأى أن الزهد الذي يُمارس في حياة الناس قد أسهم في تشكيل العالم الرأسمالي الحديث، فحين خرجت فضائل القناعة والتهذيب والجدّ من أسوار الأديرة في القرن السادس عشر نفذت إلى عقول العامة، فصارت كأنها الأساس الخُلقي الذي استقرّ عليه النظام الاقتصادي الذي نعيش في ظلاله، ولم يكن الزهد عند أهل الإصلاح من المسيحيين مناقضًا لازدهار المال والعمران، بل كان —في رأيه— معينًا على تراكم الثروة، ومعجِّلًا بسير الحداثة في أوروبا، وإذا كانت البلدان الرأسمالية قد بلغت وفرةً مادية غير مسبوقة وتقدّمًا تقنيًّا عظيمًا —وإن تفاوتت الأنصبة بين الناس— فإني أتساءل أيُّ موضعٍ بقي للزهد في العالم الحديث؟ وهل بإمكاننا أن ننتفع لو أعدنا توجيه فكرنا ونمط عيشنا نحو فضائل الزهد؟

σκησις، لفظ يوناني قديم يدلّ على الزهد، وهو في أصله يعني “التمرين” أو “النشاط البدني”، غير أنّ هذا المعنى عند اليونانيين لم يكن محصورًا في الجسد وحده؛ بل كان كما وصف الفيلسوف بيير هادو “رياضةً للروح” أيضًا، فهي ممارسةً منضبطة يتدرّب بها المرء على كيف يحسن العيش، وهذه الرؤية الأوسع للزهد حاضرة في محاورات أفلاطون، ثم تبلغ أوجَها في مذهب الرواقيين عند الرومان، حتى حلت صورة الشهيد والناسك عند المسيحيين الذين اعتقدوا أنّ التشديد على النفس وكسر شهوات الجسد وإذلالَها سبيلٌ إلى خلاص الروح ونجاتها.

حتى تمثل الزهد في مخيّلة غالب العامّة بالانغلاق على النفس وبالتصوّف الديني، فالزاهد لديهم رجلٌ شديد التبتّل، راضياً بالفقر شديد العفاف، قاسياً على بدنه مضنيها جوعاً، يريد تهذيبها تقرباً لله، وهذا النمط من العيش —وهو شديد وغريب على مجتمع الاستهلاك الحديث— يستدعي في النفوس ردود فعلٍ متراوحة تمتد من الاعجاب الى الاشمئزاز، وربما وصلت للخوف، وليس هذا النفور الا ثمرة نظرة تضع الزاهد خارج الواقع الاجتماعي والسياسي، وعلى هذا التصور يبدو الزهد وكأنه “رفاهية معنوية”، تنفع صاحبها في نفسه، لكنها قليلة الجدوى في احداث تغيير أوسع، بيد أن الأمر لا يسير على هذا النحو.

قد يفضي الزهد إلى الفرار من الحياة والفتور عن الشأن العام، لكنه لا يقتضي ذلك لزوما، فالتاريخ يعرف أطواراً كانت فيها خصال الزهد جوهر أنماط سيرة الفرد وصلب الأيدلوجية السياسية والإجتماعية معا، كما في جمهورية افلاطون حيث التمكن من شهوات الجسد من سمات الحكيم ومن شمائل المواطن الصالح، وكذا كانت اسبرطة مثالا للمدينة الفاضلة، لما فيها من تربية على ضبط النفس، واستعداد للتضحية الفردية في سبيل الصالح العام، وفي عصر النهضة برز سافونارولا، راهب لا مال له، صار بحكم الأمر الواقع حاكماً لفلورنسا بين ١٤٩٤-١٤٩٨، كان يلقي مواعظ تنذر بخراب قريب، فترهب الناس وتستلب قلوبهم في آن واحد، واستجابة لنداءاته احرق الفلورنسيون الملابس والحلي واللوحات في مواقد أسموها “موقد الغرور” يبتغون النجاة في الآخرة، وهكذا تحول زهد سافونارولا من صفة روحية الى أداة لإرساء سلطته في عقول شعبه.

وغاية الزهد —دينياً كان أو دنيوياً— تنتهي في كل حال الى السُلطة: سلطة المرء على رغباته وانفعالاته وأفكاره، أو سلطة غيره عليها، فالزهد الحق ليس إنصرافاً أعمى عن الواقع بل محاولة للسيطرة عليه، وهو ما يخالف فهم الكثير من الناس اليوم، ولذلك فإن طلب تهذيب النفس بالزهد يكون في الوقت نفسه مقاومة لنمط مناقض، كان فقر سقراط الظاهر إشارة الى إنشغال الاثينيين المفرط بالمقتنيات، وكان ازدراء سافونارولا للمال والراحة ثمرة إحتجاج داخلي على ترف رجال الدين.

الزهّاد، وان بدوا خارج النسق الاجتماعي فهم عوامل تغيير ذات قيمة؛ يلمسون عِلل المجتمع صمتاً او تصريحاً، إن حاجة أحد الى الانفصال عن المجتمع جسداً او ذهناً —أو كليهما— لبلوغ الكمال الذاتي، يدل على أن هذا التحول صعب في ظلال المجتمع، فإذا كشف الزهّاد مواضع الضعف، إما أن يمهدوا للتغيير داخل مجتمعهم، أو ينتهون إلى قيام مجتمع بديل على مبادئ جديدة، ومن هنا يتبين أن الزهد الذي ينظر إليه عند الكثير كعادة بالية لا تلائم الحداثة الرأسمالية، قد يفضي الى إبتكار اجتماعي.

اليوم ومع إتساع علمنة الحياة توارت عن بعض ممارسات الزهد مضمونها الديني، وبقيت صورها في العالم الحديث ليظهر لنا الزهد الحديث في أنماط متنوعة: الحمية والصيام المتقطع، والعزلة المقصودة، والتخفف من ملازمة الشاشات ومواقع التواصل “الديتوكس الرقمي”، والنباتيون، وأصدقاء البيئة، والوجبة البطيئة، واللباس البطيء، وتبسيط المساكن وأثاثها “Minimalism”، ونحو ذلك، زهّاد اليوم يطلبون أغراضاً شتى تتراوح بين إصلاح البيئة، أو طلب سكينة النفس، أو تهيئة جسد اقرب الى معايير الجمال السائدة، وشيوع هذا المفهوم للزهد في مجتمعات الإستهلاك يوحي بأن العثور على “معنى” داخلها لا يستقيم الا بكبح أثرها المُفسد، ولتحقيق هذا الطلب الوجوديّ تؤلف كتب لا تُحصى ترشد الناس لسبل العيش بببساطة ووعي، وفي الوقت الذي يزداد فيه الطلب على هذه الكتب تبقى البُنى الاجتماعية التي تفرض الاستهلاك وتدفع إلى خراب البيئة على حالها في الغالب، فهل يدل ذلك على أن الزهد الحديث فقد قدرته على إحداث تحولاً جذري؟

وللإجابة على ذلك أقترح النظر إلى الزهد بوصفه طرائق لتهذيب الذات، وهو معنى تناوله ميشيل فوكو في أواخر أعماله، فطرق صنع الذات هي ممارسات يعمل بها الانسان في جسده وفكره وسلوكه ليصوغ نفسه على مثال يرتضيه، وقد رأى فوكو أن الزهد قد يستعمل للامتثال للمعايير السائدة، أو لمقاومتها.

أعتقد أن ترتيب الاشياء وتخفيف الفوضى أو الديتوكس الرقمي، أو الصيام المتقطع، او تبسيط التصميم، قد يعود على الافراد بنفع في أبدانهم وعقولهم، غير أن كثيراً من هذه الممارسات قد جرى تحويلها الى “سلع”، فتنقلب في أحيان كثيرة إلى روحانية رأسمالية، وتصبح جزء من المنظومة التي أرادت في البداية أن تعارضها، ويبدو أن بعض الزهّاد المعاصرين مدفوعين برغبة التوافق مع توقعات المجتمع، ولو كانت هذه الرغبة كامنة لا يلقون لها بال، وبهذا تفوت الممارسة ذلك الأفق الوجودي والإجتماعي الواسع الذي جعل الزهد قديما أداة قوية للتغيير، ومن دون هذه المراجعة يغدو الزهد عرضة لأن يتحول الى حيلة قصيرة لأجل التكيف: إما لتخفيف الضغوطات، أو لصقل الجسد لغاية فردانيّة قد تنفع على مستوى الشخص، لكنها لا تمكّنه من تجاوز العقلية الرأس مالية المفروضة.

ولكي يستعيد الزهد الحديث قدرته، ينبغي أن يعاد عرضه بوصفه نقداً اجتماعياً، ليس مدفوعا بالكبرياء، بل برغبة في تربية شخصية أكثر وعياً وإندماجاً مع الواقع، ولكي يتبنّاه الكثير عن بصيرة، ينبغي ان يصاغ العيش الزهدي المعتدل لمصلحة الفرد والجماعة، على أنه طريق لإزدهار الانسان، وللتضامن البيئي والإجتماعي.

إن إعادة إدماج فضائل الزهد الإيجابي —كالعيش على القليل من السلع والمعلومات، وتقديم الجودة على الكمية— يمكن أن يرفد الاستدامة الاقتصادية وينهض بالعافية النفسية، وهو قادر على استعادة التوازن بين «غريزة الاستهلاك» و«غريزة الزهد»، فيطلق من أوقاتنا وطاقاتنا ما يستثمر في الإنتاج الفكري والفني، ويمنح الحياة معنى أعمق.

على سبيل المثال، اعتناق نمط حياة قليلة الهدر، أو اختيار ثقافة «الطعام البطيء»، يصبح وقعها أشد في التحول الفردي والاجتماعي إذا اقترن بممارسة يومية للتعاطف والتراحم تجاه الآخرين.

بذلك لا يقتصر النفع على البيئة وحدها، بل يتوطد أيضاً بقيام مجتمعاً أكثر تراحماً وتعاطف، لن يكون الزهد شفاء لكل أدواء الحداثة، ولن يتهيأ لكل شخص أن يعتزل الغابات كما فعل هنري ديفيد ثورو، غير أن الزهد الإيجابي، إذا نشأ على رعاية النفس ورعاية الناس ورعاية الأرض، واستقر في أعماقنا على أنه مقاومة للمعايير المفروضة في طرائق التفكير ومسالك العيش، استطاع أن يسترد طاقته بوصفه قوة مغيرة؛ لا للفرد وحده، بل للمجتمع جميعا.

نُشر هذا المقال على موقع psyche وتُرجم بتصرّف.

Posted in

اترك رد

اكتشاف المزيد من Alraqibi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading