لقد مضى زمنٌ طويل منذ أن طرحت دراسة منهجية سؤالًا مباشراً لمراجعي العيادات النفسية عمّا إذا كانوا يحصلون فعلاً على ما يحتاجونه من جلسات العلاج النفسي، وبالتحديد مرّ 25 عام منذ أن أجرت مجلة Consumer Reports تلك الدراسة الشهيرة التي أصبحت الأكثر استشهادًا بها في هذا المجال، حيث جمعت بيانات أكثر من أربعة آلاف شخص لجأوا إلى طلب المساعدة للتعامل مع الضغوط أو المشكلات العاطفية خلال السنوات الثلاث السابقة.

ما خلصت إليه الدراسة كان صادمًا للباحثين الأكاديميين الذين روجوا للعلاجات قصيرة المدى: العلاج يحتاج إلى وقت. حيث بدأت التغييرات العميقة بالظهور بعد نحو ستة أشهر، بينما أحرز الذين واصلوا العلاج لمدة عام نتائج أفضل، أما من استمروا لعامين فقد تحسّنوا أكثر، ارتسمت بوضوح العلاقة بين تأثير عدد الجلسات العلاجية والتحسن: «كلما طالت مدة بقاء الأشخاص في العلاج، ازدادت درجة تحسّنهم». وقد انسجم هذا التوجّه مع أبحاث سابقة أثبتت بدورها وجود ارتباط بين مقدار العلاج ومقدار التحسّن.

وذكرت مجلة Consumer Reports: «الغالبية العظمى أبدت رضا عالٍ عن الرعاية التي تلقتها، ومعظم المشاركين حققوا تقدماً ملموساً نحو معالجة المشكلات التي دفعتهم إلى طلب العلاج، بل أن جلّهم أفاد بأنه أصبح قادراً على إدارة دفّة حياته، وكان ذلك واقع الحال في جميع الاضطرابات، حتى بين أولئك الذين كانوا في أسوأ حال عند البداية»، غير أن النتائج كانت أقل جودة لدى من فُرضت عليهم قيود في نوع العلاج أو مدته بسبب خطط التأمين الصحي، وجاء في التقرير: «يشير هذا إلى أن محدودية تغطية التأمين النفسي، والاتجاه الجديد في خطط الرعاية -الذي يركز على العلاج قصير الأمد- قد يكون حكماً مضللاً»

ومن السمات اللافتة في دراسة Consumer Reports -إلى جانب كونها صادرة عن جهة محايدة لا مصلحة لها في الترويج لاتجاه معيّن في العلاج النفسي أو النيل منه- أنها لم تفترض مسبقًا ما الذي يريده الناس من علاجهم، بل تركت ثلاثة أسئلة متعلقة بنتائج العلاج، ليقرر المشاركين في الدراسة بأنفسهم إن كانوا قد حصلوا على حاجتهم من العلاج النفسيّ:

  1. إلى أي مدى ساعدك العلاج في معالجة المشكلة التي دفعتك لطلبه؟
  2. ما مدى رضاك عمومًا عن طريقة المعالج في التعامل مع مشكلاتك؟
  3. كيف تقيّم حالتك العاطفية مقارنة ببداية العلاج، من سيئة جدًا (كنت بالكاد أستطيع التماسك) إلى جيدة جدًا (كانت الحياة كما أرضى أن تكون)؟

هذا النهج يختلف عن معظم أبحاث العلاج النفسي، حيث يقرر الباحثون الأكاديميون غالبًا ومنذ البداية، من غير استشارة المرضى، ما الذي يُفترض أن يحققه العلاج، وهذه نقطة جوهرية سنعود إليها لاحقًا.

تكتسب نتائج الأبحاث قوتها الحقيقية حين تلتقي مصادر بيانات متعددة ومستقلة عند ذات الاستنتاج، وإن استقت دراسة Consumer Reports معلوماتها من المرضى أنفسهم، فما الذي يقوله المعالجون الخبراء عن المدة التي يستغرقها العلاج؟الغريب أن الباحثين الأكاديميين قلّما يطرحون هذا السؤال أيضًا، ولديهم قدرًا لافتًا من اللامبالاة تجاه آراء المعالجين في الواقع العملي، وفي مجمل الأدبيات البحثية حول العلاج النفسي، نادرًا ما تُسمع أصوات المرضى والمعالجين؛ أما الأصوات الأعلى حضورًا تكون لأولئك الأكاديميين الذين يفتقر الكثير منهم إلى خبرة حقيقية في ممارسة العلاج النفسي، كمعالجين أو متعالجين.

قاد فريق بحثي برئاسة النفسانيّ وعالم الأعصاب في جامعة إيموري، درو ويستن، دراسة شملت عينة من 270 معالجًا نفسيًا متمرّسًا (بمتوسط خبرة بلغ 18 عامًا، ثُلثاهم من الأخصائيين النفسيين، والثلث الآخر من الأطباء النفسيين)، طُلب منهم وصف آخر ثلاث حالات علاجية أحرزت تقدماً، وكانت مُرضية وفق اتفاق المريض والمعالج، وكان السؤال عن العلاج الذي تم مع ثلاثة حالات: مريض يعاني اكتئابًا سريريًا واضحًا، وآخر مصاب بنوبات هلع، وثالث يعاني قلقًا سريريًا مرتفع دون نوبات هلع، أما من حيث الاتجاهات النظرية للمعالجين فكانوا متنوعين ما بين العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، أو الديناميكي (Psychodynamic)، أو انتقائي/تكاملي يجمع بين مدارس متعددة.

وقد تراوح الوسيط لعدد الجلسات بين 52 جلسة في حالات الهلع إلى 75 جلسة في حالات الاكتئاب، أو ما يعادل نحو عام كامل من العلاج الأسبوعي- وهي تقريبًا المدة نفسها التي أوصت بها الدراسة المذكورة سلفاً في مجلة Consumer Reports باعتبارها المدة الأكثر نفعًا لمعظم الناس.

وعندما نظر الباحثون في مدة العلاج بحسب اختلاف التوجهات النظرية للمعالجين، لم يكن مفاجئًا أن يميل المعالجون ذوو التوجه الديناميكي إلى أطول الفترات في الجلسات العلاجية، في حين كانت لدى معالجي العلاج المعرفي السلوكي الفترات الأقصر، وجاء المعالجين التكامليين في فترات متوسطة، ورغم ذلك حتى المعالجين ذوي التوجه المعرفي السلوكي أقرّوا بأن العلاج الناجح استغرق وقتًا أطول بكثير من المدى الشائع عن نوعية علاجهم والذي يتراوح بين 8 و16 جلسة، فقد بلغ متوسط عدد الجلسات في العلاج الناجح بأسلوب CBT ما بين 33 و44 جلسة، أي ما يزيد قليلًا على ستة أشهر من العلاج الأسبوعي، وربما يمتد إلى قرابة عامٍ كامل، ولعل هذه الأطر الزمنية أصبحت مألوفة الآن.

ولم تقتصر الدراسة على سؤال “كم استمر العلاج؟” بل طرحت سؤالًا أكثر دقة: “في أي نقطة لاحظت تحسّنًا سريريًا ذا دلالة في الأعراض الأساسية التي جاء بها المريض؟” بعبارة أخرى: “كم استغرق الأمر -لا لبلوغ الشفاء الكامل-، بل لبلوغ تحسّن ملحوظ يُحدث فرقًا في حياة المريض؟ وقد تراوح الوسيط هنا بين 16 و20 جلسة.

يخبرنا الأكاديميون المروّجون للعلاجات الموجزة والمقننة أن العلاج يكتمل من 8 إلى 12 جلسة، لكن إن وثقنا بالمعالجين المتمرسين من الأخصائيين والأطباء النفسيين -على اختلاف توجهاتهم النظرية-، فإن العملية العلاجية حينها بالكاد قد بدأت.

صحيح أن ما عرضناه حتى الآن اعتمد على تقارير استرجاعية من المرضى والمعالجين، وهو ما يترك هامشاً للتأويل، إلا أن المعلومات المستقاة من الطرفين تلاقت عند الاستنتاج نفسه، ورغم ذلك مهما كانت الاستطلاعات دقيقة، لا يمكن أن تكون قاطعة.

لذلك ثمّة سبيلٍ آخر لدراسة المدة التي يستغرقها العلاج الفعّال، وهو تتبّع تقدّم المريض جلسةً بجلسة، نظريًا يمكن تحقيق ذلك عبر تطبيق أداة تقييم معيارية موثوقة طوال فترة العلاج، مثل هذه الدراسة قد تحسم أسئلة جوهرية بما لا يدع مجالًا للشك: هل هناك فعلًا علاقة بين مقدار العلاج وحجم التحسّن؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكم يلزم من هذا المقدار ليُحدث فرقًا حقيقيًا لعدد مُعتبر من الناس؟

وذلك ماحدث، فقد أُجريت هذه الدراسة بالفعل على يد فريق بحثي بقيادة مايكل لامبرت، الباحث البارز في مجال العلاج النفسي من جامعة بريغهام يونغ، ونُشرت في مجلة Journal of Consulting and Clinical Psychology. شملت الدراسة عينة تضم أكثر من عشرة آلاف مريض، -نعم، أكثر من عشرة آلاف- تم تقييمهم جلسةً بعد أخرى باستخدام أداة OutcomeQuestionnaire45 (OQ45)، وهي أداة قياس تم التحقق من صدقها وثباتها، وتغطي أسئلتها الخمسة والأربعين ثلاثة مجالات: الأعراض، والعلاقات الشخصية، وجودة الحياة والعمل، ولم تستهدف النتيجة التي ركّزت عليها الدراسة بلوغ الشفاء التام، بل الحد الأدنى المتمثل في «تغيير ذا دلالة سريرية»، والموصوفة كمّيًا وفق معايير أداة (OQ45).

وكما جاء في دراسة Consumer Reports، كشفت هذه الدراسة أيضًا عن وجود علاقة بين عدد جلسات العلاج وحجم التحسّن، فكلما طال أمد العلاج، ازدادت نسبة تحسن المريض، لكن كم استغرق الأمر تحديدًا؟ استلزم الأمر ما معدله 21 جلسة -أي نحو ستة أشهر من العلاج الأسبوعي- ليصل نصف المرضى لتحسن سريري ملحوظ، واحتاج 75% من المرضى لأكثر من 40 جلسة، أي ما يقارب عامًا كاملًا من العلاج الأسبوعي.

تبيّن أن المعلومات المستقاة من استطلاعات المرضى والمعالجين كانت دقيقة إلى حد كبير؛ إذ تلاقت ثلاثة مصادر بيانات مستقلة عند أطر زمنية متشابهة، صحيح أنه لا يمكن التنبؤ مسبقًا بالقدر الذي يحتاجه كل فرد من العلاج، غير أن الصورة العامة تفيد بأن التحوّل السريري الملموس يبدأ غالبًا بعد ستة أشهر من العلاج ويواصل تحسّنه بعد ذلك. قد يكتفي بعض الأشخاص بما يحتاجون من العلاج في وقتٍ أقصر، فيما يحتاج غيرهم لوقت أطول بكثير.

وهذا يتسق مع ما ظلّ المنظّرون الإكلينيكيون يؤكدونه معظم القرن الماضي، ولا غرابة في ذلك؛ فليس ثمة شيء عميق وباقٍ يأتي بثمنٍ زهيد أو بجهدٍ يسير، وتغيير الذات ومسار الحياة قد يكون أثمن ما يمكن للمرء أن يحققه.

تأمل مثلاً ما يتطلبه إتقان مهارة جديدة ومعقّدة، كتعلم لغة، أو العزف على آلة موسيقية، أو التزلج، أو إتقان حرفة ما، بعد ستة أشهر من التدريب بالكاد ستصل لمستوى مبتدئ، وربما أقل، ولو ادّعى أحداً أنه سيجعلك خبيرًا في نصف عام، لساورتك الشكوك بأنه يبيعك وهمًا، فالنموّ الشخصي الحقيقي يتطلّب وقتًا وجهدًا، فلماذا يكون العلاج النفسي استثناءً؟

ميثيلوجيا العلاج المبنيّ على الأدلة

قد يخطر ببالك أن الباحثين الساعين إلى توسيع آفاق المعرفة العلمية في مجال العلاج النفسي سيستثمرون هذه المعطيات في تصميم أبحاثهم، فهذه النتائج تضع حدودًا عامة لما يستحق أن يكون محور الدراسة، بالنسبة للكثير من الناس ستة أشهر من العلاج تمثل نقطة الانطلاق نحو تغيير جوهري، ولذلك ينبغي أن تصبح الدراسات التي تتناول علاجات تمتد إلى اثني عشر شهرًا أو أكثر هي القاعدة لا الاستثناء، وليس المقصود أن يُلزم المرضى بمواصلة العلاج أطول مما يحتاجون أو يرغبون إرضاءً لبروتوكول بحثي، بل أن نكون جادين في دراسة العلاجات القادرة على تقديم عوناً حقيقياً لعدد كبير من الناس.

لكن الواقع مختلف، فليس هذا هو النهج الذي تسير عليه معظم الأبحاث الأكاديمية ولا الرسالة التي يتلقاها أغلب الناس عن العلاج النفسي، فالمعايير المتعلقة بمدة العلاج باتت اليوم تُضبط وفق أجندة خفض التكاليف التي تفرضها شركات التأمين الصحي، وبناءً على أبحاث أكاديمية تستند إلى افتراضات لا تعكس واقع عمل العلاج النفسي، ففي عالم أبحاث العلاج النفسي، تستأثر الحصة الكبرى من الدراسات بالعلاجات القصيرة محددة المدة، والتي تُنفَّذ وفق كتيبات إرشادية مقننة خطوةً بخطوة، -باستثناء عدد محدود من علاجات أطول لاضطراب الشخصية الحدية- فإن هذه العلاجات لا تكاد تتجاوز 16 جلسة، وتتراوح غالباً ما بين 8-12 جلسة.

في البداية أطلق الباحثون الأكاديميون على هذه العلاجات القائمة على الكتيبات الإرشادية اسم العلاجات المثبتة تجريبيًا (EVTs)، ثم تحوّل المصطلح إلى العلاجات المدعومة تجريبيًا (ESTs)، وأخيرًا إلى العلاجات القائمة على الأدلة. غير أن هذه المصطلحات، ولا سيّما الأخير منها، تحمل إشكالية لأنها توحي بما ليس صحيحًا؛ إذ يظن الناس أن معناها أن المرضى يشفون تمامًا، وهذا غير دقيق. فالمقصود بـ”العلاج القائم على الأدلة” هو أن العلاج يُقدَّم بطريقة معيارية وفق كتيب إرشادي، وأنه خضع للدراسة باستخدام منهجيات بحثية محددة، ولا يشير هذا المصطلح إلى نسبة من تحسنت حالتهم أو مقدار التحسن، أو حتى ما إذا كان المرضى أنفسهم يعتبرون علاجهم ناجحًا.

ولتجنب هذا الالتباس الكامن بين منهجيات دراسة هذه العلاجات وبين فوائدها الفعلية للمرضى، سنتوقف عن استخدام مصطلح “العلاج القائم على الأدلة”، وسنكتفي بالإشارة إليها وصفاً باسم العلاجات القائمة على الكتيبات الإرشادية.

مسار التقدّم

في عالم أبحاث العلاج النفسي، تحظى الدراسات التي تستخدم تصميم التجارب العشوائية المحكمة (RCT) بأعلى درجات الاعتماد إذ تقوم هذه المنهجية على التوزيع العشوائي للمشاركين في البحث بين مجموعة تتلقى العلاج وأخرى ضابطة (غالبًا بلا تدخل، أو بتدخل وهمي لا يستهدف مشكلات المريض)، ويُشترط أن يُنفَّذ العلاج وفق كتيب إرشادي يضمن تقديمه بطريقة موحّدة من جميع المعالجين المشاركين في الدراسة، يختار الباحثون أشخاصًا يحملون تشخيصًا محددًا وفق الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، مثل اضطراب القلق العام، أو الاكتئاب الجسيم، أو كرب ما بعد الصدمة، ويكون هذا الاضطراب هو محور العلاج، أما النتيجة المرجوّة فيحددها الباحثون، لا المرضى ولا المعالجون، وتقاس عبر قوائم أعراض تستند إلى تشخيصات DSM.

هذا النهج الطبي الذي “يحصر” مشكلات المريض في خانة تشخيصية واحدة، ويعزو التقدّم فقط من خلال الأعراض، يتيح مقارنة العلاج النفسي بالأدوية في التجارب المحكّمة، وكأنه يعادل تناول دواء، ولأن تقييم أثر الدواء غالبًا ما يُعد كافيًا خلال فترة قصيرة تمتد لـ8-12 أسبوعًا، فقد جرى إسقاط الافتراض نفسه على العلاجات القائمة على الكتيبات الإرشادية.

لذلك تقتصر معظم التجارب البحثية على دراسة علاجات تمتد من 8 إلى 12 أسبوع، وأخذت هذه النماذج المختصرة تنتشر في ميدان الصحة النفسية، فموقع جمعية علم النفس الإكلينيكي المكرّس لرفع وعي الجمهور بالعلاجات القائمة على الكتيبات الإرشادية، يسرد قائمة تضم خمسة وثمانين علاجًا معتمدًا جميعها تستهدف تشخيصًا محددًا وفق DSM، وغالبية هذه العلاجات تعتمد صيغة من 12 جلسة، مثل (CPT) والتعرّض المطوّل (PE) لاضطراب كرب ما بعد الصدمة.

ولن تجد العلاجات القائمة على الكتيبات الإرشادية دعماً في أي مكان أكثر من الدعم الذي تجده من وزارة شؤون المحاربين القدامى الأمريكية، الممول الأكبر لخدمات الصحة النفسية، وتذكر الأخصائية النفسية راشيل يهودا ما قيل لهم قبل بضع سنوات حين حضر مسؤولون من معهد الطب إلى مركز المحاربين القدامى في برونكس لحثّ الطاقم على استخدام العلاجات الإرشادية مثل التعرّض المطوّل (PE): “عدم تقديم العلاج بالتعرّض المطوّل لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة يشبه عدم تقديم الإنسولين لمرضى السكري.”

أما شركات التأمين الصحي فتبنّت هذا النهج سريعًا، فشركة Lyra Health الراعية لخدمات الصحة السلوكية لموظفي شركات كبرى مثل eBay وAmgen، صرّحت بلا تردد على موقعها قائلة:
“ينبغي استخدام [العلاجات الإرشادية] كخيار أول للتدخل، لأنها تمنح أفضل فرصة لمساعدة المرضى في التغلب على المشكلات النفسية الشائعة والشعور بتحسن والتعافي. إن استخدام أي نهج آخر ينطوي على خطر تعرض المريض لعلاج قد يكون ضارًا، وحرمانه من علاج أثبت فعاليته.”

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل تقدّم العلاجات المختصرة القائمة على الكتيبات الإرشادية مساعدة ذات قيمة؟
قبل أن نغوص في التفاصيل، لنبدأ من زاوية شخصية لأخصائية نفسية أجريت معها مقابلة لهذا الغرض، كانت قد تلقت تدريبًا لتقديم العلاجات المختصرة للمحاربين القدامى في مدينة كبرى، سنطلق عليها اسمًا مستعارًا: الدكتورة كاميرون، إذ خشيت أن يضرّ الإفصاح عن هويتها بسمعتها التي بنتها خلال سنوات، طلبت منها وصف حالة نموذجية لاضطراب ما بعد الصدمة عالجتها باستخدام العلاج المختصر القائم على الكتيبات الإرشادية، استحضرت على الفور صورة ريان، مهندس عسكري سابق في الثلاثين من عمره، خدم في ثلاث مهمات بالشرق الأوسط للكشف عن العبوات الناسفة على الطرق وتفجيرها.

خضع ريان لـ 12 جلسة  لمعالجة الصدمات، ساعيًا لتحديد وتصحيح ما يُعرف بـ”النقاط العالقة”، أي الأفكار التلقائية غير المنطقية المرتبطة بحادثة تفجير عبوات ناسفة على الطرق، ومع مرور الوقت، أعاد صياغة روايته عمّا حدث، أو ما يُسمّى بـ”بيان الأثر” بحيث يصبح أقل ميلًا إلى جلد ذاته لعدم قدرته على منع الأذى عن رفاقه الجنود.
وحين انتهت الجلسات الاثنتي عشرة، شَعرت الدكتورة كاميرون بضرورة مواصلة الجلسات معه، إذ كان لا يزال يرزح تحت وطأة الضيق، ففي طريقه إلى المتجر كان ينسى أين هو، غارقًا في استرجاع ذكريات الحرب المروّعة، كان يشعر بالغربة و كأنه شخص منفصل عن محيطه، كان يرغب بشدة لأن يشعر بأنه “جزء من المجتمع”، وأن “ينسجم أكثر مع الآخرين”، وأن “يكون زوجًا أفضل لزوجته”، وأن “يستعيد إحساسه بالحياة من جديد”.

رأت الدكتورة كاميرون أن صعوبات ريان تفاقمت بفعل نمط ارتباط غير آمن، عزّزته تدريباته العسكرية الصارمة، قالت: “إنه شديد التوجس من الاعتماد على الآخرين، ولم يكن مرتاحاً لفكرة أن يكون ضعيفًا أو يعتمد على أي شخص، مفرطاً في نظرته للاستقلالية والاعتماد على الذات، ويبالغ في صورة ‘الرجل القوي’، لدرجة أنه يرى التعبير عن المشاعر من مظاهر الضعف.”
وأكملت الدكتورة كاميرون: “مع عملاء مثل ريان، لا تنكشف القصة الحقيقية إلا بعد نحو عام من جلسات العلاج الأسبوعية، لأن الحقيقة تقتضي القول إن الأمر يستغرق كل هذا الوقت لبناء الثقة التي يحتاجها المحاربون القدامى المصابون بصدمات حتى يبدؤوا في الانفتاح.”

في حالة ريان، استغرق الأمر عامًا كاملًا من العلاج قبل أن ينهار باكيًا، معترفًا للدكتورة كاميرون بأنه كثيرًا ما راودته أفكار انتحارية، وأنه أخفى عن زوجته مدى بؤسه، وقد لخّصت الدكتورة كاميرون رؤيتها للعلاجات الإرشادية المخصصة للصدمات بقولها: “كثيرون منا في إدارة شؤون المحاربين القدامى يدركون أنها لا تناسب هذه الفئة، لأن الحالات التي نراها غالباً أكثر تعقيدًا، هذه العلاجات نادرًا ما تؤدي إلى تقدم حقيقي، وبعد ستة أشهر، أو عام، أو عامين من انتهائها، يعود المرضى إلى عيادتنا لأن وضعهم لم يتحسن.”

وحالة ريان ليست استثناءً، فقد أثار البحث المنشور في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA) من الأخصائية النفسيّة ماريا ستينكامب وزملائها الكثير من الجدل؛ إذ خلصت الدراسة إلى أن اثنين من كل ثلاثة محاربين قدامى خضعوا لما يُسمّى بـ “العلاجات القائمة على الأدلة” لاضطراب ما بعد الصدمة، ظلّوا يعانون من الاضطراب حتى بعد انتهاء العلاج.

كما تثير الأبحاث شكوكًا حول جدوى هذه العلاجات في حالات الاكتئاب على المدى الطويل، فقد استعرض أحدنا [أحدد محرري المقالة] (جوناثان) مؤخرًا نتائج الأبحاث المتعلقة في ورقة بعنوان: “أين الدليل على العلاج القائم على الأدلة؟”. وعلى امتداد ثلاثين عامًا من الدراسات، ظلّت نسبة مرضى الاكتئاب الذين تعافوا وبقوا في حال جيدة، حتى خلال فترات متابعة قصيرة من 12 إلى 18 شهرًا، تدور حول 25٪ فقط.

وانتهت الجمعية الأمريكية لعلم النفس التي تدعم هذا النوع من العلاجات إلى النتيجة ذاتها تقريبًا، غير أنّك ستحتاج إلى جهدٍ مضنٍ لتقف على ذلك، ففي إرشاداتها الإكلينيكية الحديثة لعلاج الاكتئاب، التي لا توصي إلا بالعلاجات الموجزة المقيّدة بكتيبات إرشادية، تجد بين ثنايا السطور لوثيقةٍ من 168 صفحة التحذيرات التالية:
«بوجه عام،  العلاجات القائمة على الكتيبات الإرشادية لها أثراً متواضعًا في التخفيف من أعراض الاكتئاب».
وجاء فيها أيضًا: «إن أفضل الممارسات المثبتة بالأدلة لا تتماشى بالضرورة مع التصور الشخصي للمريض عن نجاح العلاج»، وهو ما يفضي إلى الانقطاع عن العلاج، بل وإلى «احتمال نشوء ارتباطات سلبية دائمة، ونفورٍ من العلاج قد يلازم المرء مدى الحياة».

وفي أعماق النص يكمن ما يثير الدهشة حقًا: «لقد أظهرت أربعة عقود من أبحاث العلاج النفسي أنّه بعد إتمام العلاج، يظل أكثر من نصف المرضى في حالة اكتئاب، ومن بين من تحسّنت حالتهم بنهاية العلاج، يُصاب نحو 40% منهم بانتكاسة».

وبحسبةٍ بسيطة، تتكشف النتيجة التالية المبنيّة على الأدلة: سبعة من كل عشرة أشخاص يخضعون لما يُسمّى بالعلاج القائم على الأدلة للاكتئاب، إمّا لا يحققون تحسنًا يُذكر، أو ينتكسون سريعًا.

أحد الأسباب التي تجعل العلاجات الموجزة القائمة على الكتيبات الإرشادية عاجزة عن تحقيق تحسّن طويل الأمد، هو أنّها تتجاهل مزيجًا معقّدًا من هشاشة الروابط العاطفية، وطبائع الشخصية المتفرّدة، والدفاعات النفسية التي تجعل معظم الأشخاص في الممارسة الإكلينيكية اليومية أسرى القلق والاكتئاب.

إنّ حصر الأبحاث في «حالات أساسية» من التشخيص، وتقييد معنى التحسن بقوائم الأعراض، قد يمنح تصميمًا تجريبيًا منظماً، لكنه يغفل عن تعقيد الصعوبات النفسية التي يعانيها معظم المراجعين، نادرًا ما يجلس المريض ليعدّد أعراضه وفقًا لما يمليه تشخيص الـDSM؛ بل نسمع عن رجل يجلده الخزي لأنّه فقد أعصابه مجددًا أمام ابنته، أو عن حيرة امرأة من غيرة حبيبها المفرطة، أو عن انجذابٍ مؤلم لانسان لا يمكن الوصول إليه، أو عن كلماتٍ طائشة أفسدت لحظات حميميّة، أو عن عجزٍ في التعرّف على المشاعر الصعبة والتعبير عنها. 

في الحقيقة، فإن معظم المشكلات التي يعالجها المعالج النفسي متجذّرة في الشخصية ذاتها، ولا تنفصل عنها؛ تلك البنية العميقة التي تتجلى في أنماط المرء الراسخة من التفكير والشعور، والخيال والرغبة، والخوف والتكيّف، والدفاع والارتباط، والتواصل مع الذات والآخرين. وتشير الأبحاث إلى أنّ ما يقارب نصف المرضى الذين يحملون تشخيصات أولية لاضطرابات شائعة كالاكتئاب أو القلق العام، يستوفون أيضًا المعايير الرسمية لاضطرابات الشخصية وفق DSM، أو يقفون على عتبة هذه الاضطرابات، وجميعهم يمتلكون أنماطًا شخصية تؤثر في مسار العلاج والتعافي.

هذا هو السر الذي يدركه المعالج المتمرس: إن التغيير النفسي العميق والدائم لا يتحقق بالتركيز على الأعراض وحسب، بل على الأنماط الشخصية الكامنة وراءها، وليست هذه مجرد حكمة إكلينيكية بل حقيقة تؤكدها الأبحاث، فوفقًا لدراسة منشورة في المجلة الأمريكية للطب النفسي فإن القضايا الشخصية التي يصفها المعالجون المتمرّسون بأنها الأكثر أهمية سريريًا تشمل: صعوبات في الحميمية أو الارتباط أو الالتزام في العلاقات الوثيقة؛ مشكلات في الحزم أو التعبير عن الغضب أو العدوانية؛ مخاوف من الانفصال أو الهجر أو الرفض؛ اضطرابات في تقدير الذات (كالشعور بعدم الكفاءة أو النقص)؛ مشكلات مع السلطة؛ الخجل أو صعوبة تكوين صداقات أو الاقتراب من الآخرين؛ والكمالية أو النقد الذاتي المفرط.

ونرجّح أن هذه القضايا مألوفة لدى معظم المعالجين.

ما الذي يُعدّ «نتيجة جيدة»؟

يكمن خلل جوهري في منطق العلاجات الموجزة القائمة على الكتيبات الإرشادية، إذ تفترض أن المرضى يقصدون العلاج النفسي أساسًا لتخفيف الأعراض، بيد أنّهم غالبًا ما يطلبون ما هو أعمق وأغنى من ذلك، فإذا استقصيت كيف يعرف المرضى نجاح العلاج، لوجدتهم يشيرون إلى أمور مثل اكتساب طرائق جديدة للتواصل مع الآخرين، وتعميق الفهم الذاتي، وتعزيز تقدير الذات، وصولاً إلى قبول الذات، وهذا ما خلصت إليه دراسة حديثة نُشرت في مجلة Psychotherapy Research، استنادًا إلى مقابلات أُجريت مع المرضى بعد انتهاء العلاج.

إن حصر التقدّم في نطاق تخفيف الأعراض كما تفعل معظم الأبحاث حول العلاجات الموجزة، لا يكتفي بتجاهل ما يريده المرضى حقًا من العلاج، بل يقود أيضًا إلى استنتاجات زائفة عن نجاح العلاج.

وفي دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة غينت ببلجيكا، التقى الباحثون بمرضى أنهوا ما بين 16 إلى 20 جلسة علاجية للاكتئاب الجسيم، وقد كشف نصف هؤلاء تقريبًا ممن صُنّفوا على أنهم تحسّنوا أو تعافوا استنادًا إلى درجاتهم في مقياس BeckDepression Inventory-2، أنّهم ما زالوا بحاجة إلى المزيد من العلاج؛ فقد كانوا يتطلعون إلى ما يتجاوز مجرد انخفاض أعراض الاكتئاب، مثل التقدّم نحو أن يصبحوا أشخاصاً أفضل، أو أن يكتسبوا قدراً أكبر من الاستقلالية، وأن يواجهوا مخاوفهم وتحدياتهم، وأن يظفروا بفهم أعمق لذواتهم، وأن ينالوا قبولًا ذاتيًا أكبر.

وتحذر الدراسة المعالجين النفسيين الذين قد يغريهم الاعتماد على الدرجات المستخلصة من قوائم الأعراض بوصفها دليلًا على التحسن: «إنّ تعريف “النتيجة الجيدة” استنادًا إلى التفسير الإحصائي لمقاييس الأعراض لا يعكس بالضرورة أثر العلاج النفسي كما يعيشه المرضى أنفسهم».

وما يسعى إليه المرضى من العلاج النفسي يتناغم مع ما يريده المعالجون لمرضاهم، حيث نشر النفسانيّ ديفيد أورلينسكي مسحًا واسعاً شمل أكثر من خمسة آلاف مختص في الصحة النفسية من خلفيات نظرية متنوّعة، طُلب منهم ترتيب الأهداف العلاجية التي يودّون أن يحققوها لمرضاهم، جاء في الصدارة وبفارق كبير: «امتلاك شعور قوي بقيمته الذاتية وهويته»، تلا ذلك: «تحسين جودة علاقاتهم». ثم جاء في المرتبة الثالثة: «فهم أفضل لمشاعرهم ودوافعهم وسلوكياتهم»، يليه «دمج الجوانب المهمّشة من خبرتهم». أما «انخفاض الأعراض» فجاء في مرتبة متأخرة، وبفارق ملحوظ.

حين نحترم ما يريده المرضى من العلاج النفسي، وما يضعه المعالجون الخبراء في سلّم الأولويات، تتبدّل طبيعة العلاج برمتها.

لم يكن التعليق الفطِن من الدكتورة كاميرون «يستغرق الأمر عامًا من العلاج حتى تنكشف القصة الحقيقية» بعيداً عن الصواب، فها هي “ديبرا” التي تبلغ الأربعين من عمرها تفاجئ معالجها هذا الأسبوع بقولها: «أحتاج أن أصبح جادة في العلاج» بعد أن قضت أكثر من عام  في جلسات أسبوعية، إنها تحمل مخاوف هجر عميقة تجعلها شديدة التعلّق بزوجها، تخشى فقدانه في أي لحظة وتتمنى لو كانت أكثر حزمًا أمام المدراء المتسلّطين، تندم لأنها منحت ثقتها لوكلاء أعمال استغلوا قراراتهم لمصالحهم المالية وأضرّوا بها، تخشى الصراع إلى حدّ الرعب، وتبالغ في اللطف لتضمن ألّا يغضب منها أحد، وبعد أن أخبرها زوجها بشكل مفاجئ حاجته إلى بعض الوقت بعيدًا عنها، ضاعفت ديبرا التزامها بالعلاج، والحقيقة أنّ ديبرا كانت قد قطعت شوطًا في العلاج: إذ بدأت تلامس جراحها القديمة وغضبها المكبوت الناتج عن الإهمال العاطفي في طفولتها، وأدركت أن مخاوفها من الهجر متجذّرة في تجارب متكررة لتهديد والديها بالطلاق وهروبهما لأيام بعد شجارات عاصفة، كما بدأت تنفتح على طيف واسع من المشاعر منحها إحساسًا بالحياة وخفّف من قلقها واكتئابها.

غير أنّ لحظة الاستبصار المهمة كانت عندما أدركت بأنها ما تزال في كثير من الأحيان منسحبة عاطفيًا ومفرطة في اللطف مع محيطها خوفًا من الرفض، جعلت نفسها متوافقة بجمود وذلك ساهم في تسطيح المشاعر في زواجها، إعلانها: «أحتاج أن أصبح جادة»، كان انعكاسًا لالتزام جديد بأن تفسح المجال لكل مشاعرها في بيتها، سواء كانت محبة أم غير ذلك.

وفق خبرتنا، هذه الانتعاشة في مسار العلاج طويل الأمد أو الانفتاح على عمليات التغيير العميقة وتجدد الطاقة للسعي وراء أهداف الحياة ليست استثناءً بل قاعدة شائعة، وتؤكد بعض الأبحاث ذلك، ففي دراسة امتدت لعام كامل حول العلاج النفسي الديناميكي  ، شملت 65 مريضا، توصّل الباحثين فيها إلى أنّ فعالية العلاج تتزايد تدريجيًا كلما طال أمده مع معالجين متمرّسين، ومع اتساع نطاق الجلسات العلاجية ينشأ لدى المرضى اعتقاداً بأنّهم سيُفهَمون ويُصغى إليهم بتفهّم، وهذا ما يغذي الصراحة العاطفية والإفصاح دون تحفظ.

والمؤسف أن الكثير من المرضى لا يمكث في العلاج للمدة التي تكفي ليجني ثماره، فمسألة الانقطاع المبكر عن العلاج موضوع مهمل في ميداننا، وهذا يعيدنا لمقال نُشر عام 2010 في المجلة الأمريكية للطب النفسي، استند إلى عينة من 30 ألف مريض خضع للعلاج النفسي، ذكر فيه أنّ ما يقارب 40% من المرضى انقطع بعد جلستين فقط، و80% قبل أن يتم 10 جلسات، فيما لم يتجاوز 9% من واصلوا حتى عشرين جلسة أو أكثر، أما في نظام شؤون المحاربين القدامى، فمعدلات الانقطاع عن العلاج النفسي أكثر فداحة؛ إذ أظهر تحليل حديث أجراه الطبيب النفسي برادلي على مرضى اضطراب ما بعد الصدمة في عيادات VA بنيو إنغلاند أنّ 2% فقط من المحاربين القدامى يحصلون على «جرعة كافية» من العلاج النفسي، والمقصود بها 8 جلسات أو أكثر.

وذلك يدعونا للتساؤل إن كانت هذه المعدلات الفادحة تعكس تقصيرنا في تدريب المعالجين على صقل وتطوير السمات الإنسانية التي تجعل العلاج النفسي ذا معنى، والتي تدعمها كمية من الأبحاث: التعاطف، التفهم والتسامح والاحترام الصادق، والمهارة في بناء تحالف يقوم على المهمة المشتركة للعلاج، لا يحتاج المرضى إلى من يسمعهم فحسب، بل إلى من يعرف كيف ينصت بعمق، ليصغي لما هو جوهري، يحتاجون إلى متسع من الوقت والحيّز ليرووا قصص حياتهم الموجعة، بالطريقة المبعثرة وغير الخطية التي يميل إليها البشر في لحظات الانكسار، يحتاجون إلى صمت يفسح المجال لتطفو المشاعر العميقة والإدراكات الخفية، يحتاجون إلى إيماءة خفيفة بالرأس، أو ابتسامة ذات مغزى، أو تنهيدة متفهّمة من المعالج، تذكّرهم بأنهم مسموعين حقًا.

بيد أن كفة التدريب اليوم تميل نحو تعليم المعالجين المبتدئين على العلاجات القصيرة المدى، المثقلة بالتقنيات، والمقيدة بكتيبات إرشادية تجعلهم في لهفة لإعادة العملاء إلى «المسار الصحيح» وفق جدول العلاج المرسوم، وعندما يصبح العلاج موجزًا ومشدودًا إلى أجندة صارمة -تصحيح الأفكار السلبية، شرح الأعراض، وتثقيف العملاء نفسيًا حول مشاعرهم- ألا يبدو منطقياً أن يشعر كثير من المرضى بأنه لا مساحة حقيقية للوصول إلى جوهر ما ينهش أعماقهم؟

نخشى أن تكون العلاجات المبرمجة والمقيدة بالكتيبات الإرشادية، قد بدأت تنفّر المرضى من العلاج النفسي بدلاً من أن تجذبهم إليه، في وقت بلغت فيه معدلات الانقطاع عن العلاج أرقامًا مقلقة، فلو أردنا للمريض المثقل بالقلق والاكتئاب ومشكلات تقدير الذات والعلاقات أن يبقى في العلاج للمدة التي تكفي لإحداث تغيير حقيقي ومستدام، فعلينا أن نصغي إلى أصوات أهل المهنة الذين ينادون بتدريب المعالجين على مهارة الإصغاء بشكل أفضل، وهذا ما يقوله سكوت ميلر الباحث الشغوف في «ما يُجدي نفعًا في العلاج النفسي» حيث قال بوضوح: «في العلاج النفسي، من يقدّم العلاج أهم بخمس إلى تسع مرات من نوع العلاج الذي يقدمه»، ولذلك هو ينصح المعالجين المبتدئين بأن يركّزوا على مهارات أعمق في بناء العلاقات الانسانيّة.

إنها مشورةٌ حكيمة، ففي ممارساتنا اليومية، ندرك نحن المعالجين حاجة مرضانا إلى أن يجعلوا من العلاج النفسي مساحة للتحرر من ردود الفعل التلقائية، واكتساب ثقة أعمق بأنفسهم اجتماعيًا وشخصيًا، ندرك قيمة أن يتوقفوا عن تكرار العادات البالية التي تشكّلت في طفولتهم، وأن يفهموا حقيقة شعورهم وتصرفاتهم، غالباً ما يُفاجئنا في البداية سذاجة التوقعات حول المدة التي يتطلبها التغيير الحقيقي، لكن هناك أمرًا لا يفاجئنا: حين تستثمر السنوات في العملية العلاجية، وفي فحص الذات بعمق لتصبح قادرًا على تجسيد التعاطف المستمر، والتقدير الصادق، والإنصات، فإن معظم المرضى سيعودون إليك، لأنهم حين يلتقون بشخص صبور لا يقفز ليقدّم حلولًا جاهزة، ولا يهرع لإصلاح كل شيء، بل يتيح لهم أن يحلّوا عقدهم ويعبروا عن أنفسهم دون ايقاف هذا المسار، عندها سيقبلون حقيقة أن التغيير العميق والدائم يحتاج إلى وقت.

نُشر هذا المقال على موقع https://www.psychotherapynetworker.org

وتُرجم للعربية بعد الموافقة من المؤلفين Jonathan Shedler&Enrico Gnaulati

Posted in

اترك رد

اكتشاف المزيد من Alraqibi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة