بدت الكلمات على الشاشة مثالية، ورغم ذلك كان ينقصها الشيء الوحيد الذي يجعل الصوت بشريًا: أثر الجسد الذي يقف خلفه.
استعنت بأحد أنظمة الذكاء الاصطناعي في صياغة رسالة إلى صديقٍ أعرفه منذ أكثر من عشرين عامًا، كم أحببته وكم ضاق صدري منه، عرفت معه ما لا يمكنني اختزاله في كلمات، قبل أن أكتب له كنت أتمرّن داخليًا على ما أريد قوله؛ أجرّب أعذاري في صمت و أختبر نبرتي، واليوم لجأت لما أصبح شائعاً: شرحت للذكاء الاصطناعي الموقف، وطلبت منه أن يساعدني على “إيجاد النبرة المناسبة.”
وفوراً حصلت على الرد، كانت استجابة هادئة، جزلة ومتزنة، الجمل مصاغة بعناية واستخدام ضمير “أنا” كان في المكان المناسب، وصَفت الرسالة المشاعر دون اتهام واعترفت بتعقيد الموقف، وتركت باب الصلح مُشرعًا، وبينما كنت اقرأ أحسست بانكماش في جسدي مع غثيان مفاجئ وفراغ داخلي باغتني دون سابق إنذار، ولم يكن ذلك لأن الرسالة خاطئة، الأمر أسوأ من الخطأ! كانت مثالية للدرجة التي شعرت أنها زائفة.
لم تربكني رداءة الصياغة بالقدر الذي شعرت بأنها مثاليّة دون مخاطرة، فالذكاء الاصطناعي لا تاريخ له مع صديقي، لا يعرف معنى أن تخاف من خسارة علاقة عمرها عقدين، ولا يختلجه الضيق الذي نحسّهُ حين نهتمّ بقول شيءٍ قد يغيّر شكل العلاقة إلى الأبد، الذكاء الاصطناعي لم يشاركه العيش والملح، ولا الخيبة والحسرة، ولم يتحمل ثقل الصمت بيننا، كانت الصياغة بلا روح وقراءتها جعلتني أشعر بوحدةٍ أعمق مما كنت عليه قبل أن أطلب المساعدة، وكأنني خرجت للحظة من المساحة الحيّة التي تقوم فيها العلاقات.
في نفس الفترة بدأت أسمع شيئًا مشابهًا في عيادتي حيث كان بعض المراجعين يتحدثون عن استعانتهم بالذكاء الاصطناعي، أحيانًا يذكرونه تلميحًا وأحياناً تصريحًا، أحدهم يقول: “يساعدني على ترتيب أفكاري” والآخر يقول بنبرة خجولة وكأنه يعتذر لي “الذكاء الاصطناعي يسمع دون أن يمل” وآخر يصف شعوره بالاطمئنان بعد أن سأله كيف يرد على رسالة صعبة من أحد والديه، وأنا أُنصت لهم شعرت بشيء مزعج؛ كان هاجسًا نعم، لكنه حمل أيضًا اعترافًا صامتًا لم أنتبه له، من منّا لا يجذبه مستمع حاضرًا متى ما أردت، سريع الاستجابة، ولا يطالبك بشيء؟
لم يشد انتباهي استخدامهم لهذه الأدوات بقدر تعبيرهم عنها: تقديرًا عميقًا يصل أحياناً لمرحلة الثقة، كانت تخفف عنهم ثقل أفكارهم، وتمنحهم شعورًا بأنهم أقل وحدة، ومع تراكُم هذه السرديّات، وجدت نفسي أتساءل: أي نوعٍ من العمل النفسي كان يجري تجاوزه -أو لعلّه يُزاح ويُستبدل- في هذه العملية؟
الخطر أن تُعيد هذه الأنظمة، دون ضجيج، صياغة فهمنا لما يعنيه أن نلتقي بعقلٍ آخر.
طالما يرى التحليل النفسي أن الاستبصار وحده لا يكفي؛ تحتاج إلى أن تختبر نفسك داخل علاقة مع آخر يتفاعل ويتأثر بك، ذلك ما يحدث في الجلسة العلاجية حيث لن يأتي المرضى بسرديّاتٍ فحسب، إنما يأتي بمشاعرٍ لم تجد بعد تمثيلًا: فزعٌ بلا كلمات، وغضب بلا اتجاه، وحزنٌ بلا شكل، وعلى النقيض من ذلك تقدّم لنا النماذج اللغوية كلمات بلا فزع؛ تقلّد شكل المعاناة دون أن تسكنها.
كان ولفريد بيون يصف العمل التحليلي بأنه “احتواء”: أن يقبل المعالج بما لا يستطيع المريض الخوض فيه بأفكاره، أن يسمح له بأن يربكه، ثم يعيده في صورةٍ يمكن احتمالها، وهذا العمل ليس مجرّدًا، إنه يُعاش في الجسد، وفي الإنقال المقابل، في لحظات الالتباس والانزعاج، والملل، أو الضغوطات، والاحتواء هنا لا يعني مجرد الفهم؛ بل أن يسمح المرء لنفسه -مؤقتًا- بأن يُستَخدم كوعاءٍ نفسي لشخصٍ آخر، وهذا عملٌ مُكلف وله ثمن، إذ يتطلّب انكشافًا عاطفيًا وانتباهًا مستمراً، ومخاطرة في أن يتغيّر المرء بفعل ما يواجهه.
ما أدهشني في تجربتي مع الذكاء الاصطناعي وفي أحاديث مرضاي، هو غياب هذا الثمن تمامًا، الجهاز يعكس الانفعال بطلاقة ولكن لا شيء يحدث له في المقابل، لم تكن هناك حياةٌ داخلية يمكن أن تُجهَد ولا شرودٌ ذهنيّ يمكن أن يُقطع، ولا حتى تبعات نفسية لسوء الفهم، فإن استجاب الذكاء الاصطناعي بارتباك لم يتضرر شيء وإن أحسن الاستجابة لم يتعمّق شيء، كانت العلاقة بلا احتكاك وفي تلك الحالة الخالية من الاحتكاك، فُقد شيءٌ حيوي.
وقد يفترض البعض أن ما نفتقده اليوم في الذكاء الاصطناعي ليس سوى فجوة تقنية عابرة، وأن مزيدًا من التعقيد ربما يمنحه يومًا ما مقاربة للعقل، ومن هذا المنظور لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي اليوم سوى مسودة أولى: مدهشة، لكنها غير مكتملة، لكن من منظورٍ سريري يبدو هذا التصوّر وكأنه يُخطئ موضع المسألة، ففي غرفة العلاج لا تكمن الأهمية في قدرة النظام على تمثيل الاهتمام أو محاكاة القلق، بقدر أهمية وجود شيءٍ فعليّ يمكن أن يُصاب، أو يُفقد، أو يُهدَّد.
الذات الإنسانية لا تنفصل عن جسدٍ عليه أن ينجو، ولا عن تاريخٍ نمائي تشكّل تحت وطأة الاعتماد، واختلال التوازن وتجارب الفقد، حتى أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تعقيدًا لا “تحتفظ” بنا في أفكارها بين لقاءٍ وآخر؛ إنما تعيد في كل مرة نضغط فيها على زر “الإدخال” معالجة تدفّق جديد من المعطيات، ليس لدى هذه الأنظمة حيّزٌ داخلي نقيم فيه بوصفنا حضورًا مستمرًا، أو أثرًا عزيزًا، أو ذكرى حيّة.
يتوقّف وجودنا عبر علاقات فيها أجسادنا وأرواحنا متأثرة بالآخرين، عقولنا تلحّ إلى معرفةٍ كامنة كثيرًا ما تكون خارج وعينا بأن العلاقات قد تفشل، والحب قد يُكسر، وأننا نحن أنفسنا عرضةٌ للأذى أو للضياع.
مهما بلغت الخوارزمية من تعقيد وإتقان، فإنّها تخلو في جوهرها من تلك الهشاشة التي لا تخشى فراقًا ولا يدركها إنهاك، ولا يَصِمه عار، ما تبديه من اهتمام محض محاكاة، صورةٌ للانفعال لا خبرةٌ معاشة، ولو افترضنا أنها استطاعت أن تحاكي المواجدة ونبرتها، فإنّها تظلّ محرومةً من الشرط الذي يمنح المواجدة وزنها وثقلها، وهو حضورٌ منزوعُ المخاطرة ومشاركةٌ لا كُلفة فيها.
تغدو هذه المفارقة أشدَّ إلحاحًا حين نتأمّل السرعة التي نُسبغ بها صفةَ الذاتيّة على كلّ ما يتصرّف على نحوٍ يشبهنا، فالمرضى ليسو سُذّجًا حين يصفون أنظمة الذكاء الاصطناعي بأنها “تفهم” أو “تدعم”؛ إنهم يستجيبون لشيءٍ متجذّرٍ في أعماق تكويننا النفسي، فنحن على درجة عالية من الحساسية للغة، و لإيقاع الخطاب ونبرة الاستجابة، وسرعان ما نميل إلى افتراض وجود عقل خلفها كلما ظهرت هذه العلامات، لكن حين نساوي بين “محاكاة الفهم” وبين وجود ذات يمكن أن تتأثر، فإننا نطمس فروقاً جوهريّة، فروقاً لا غنى عنها للنموّ النفسي.
وليس الخطر أن يحل الذكاء الاصطناعي محل المعالج، الخطر أن تُعيد هذه الأنظمة -دون ضجيج- صياغة فهمنا لما يعنيه أن نلتقي بعقلٍ آخر، أن تُدرّبنا على توقّع استجابةٍ بلا احتكاك، وفهمٍ بلا لبس، ومواجدةٍ بلا مطالب، ومع مرور الزمن قد لا يقتصر أثر هذا التحوّل على طريقة تفاعل المرضى مع الذكاء الاصطناعي، إنما قد يمتدّ إلى القدرة على تحمّل الحدود الحتمية والإخفاقات الملازمة للعلاقات الإنسانية.
لهذا أجد من المفيد التفكير فيما أسميه “العقلنة الرقمية”: أن نتذكر ونحن نرتاح لردود الذكاء الاصطناعي ما هي عليه وما ليست عليه، أن نعي أن استجابتها ليست حضورًا لذات يمكن أن تتأثر أو تتغير بنا، بل معالجة لمعانٍ بشرية سبق أن أنتجناها، و لا يعني ذلك بالضرورة رفض التكنولوجيا ولا إنكار لما قد يقدمه الذكاء الاصطناعي، الذي قد يساعد على تنظيم الأفكار أو تهدئة القلق اللحظي، أو صياغة ما يصعب قوله، لكن الإشكال يبدأ حين يُعامل الفهم المُحاكى كخبرة علائقية حقيقية، حين تُستبدل المساواة النفسية بالتمييز.
لطالما أصرّ التحليل النفسي على الأهمية الأخلاقية والنفسية للآخر الواقعي: شخص له حدود وجسد، وله ما يمكن أن يخسره، توافر المعالج ذو معنى لأنه محدود؛ واهتمامه ذو مغزى لأنه يكلّفه ثمناً، فحضور الحدود -التعب، وسوء الفهم، والقيود- هو ما يمنح العمل عمقه وجدّيته.
حين نتجاوز هذه الحدود بواسطة الرقمية، نخاطر بضمورٍ علائقي، ففي دورة “القطيعة والإصلاح” التي تميّز النموّ الصحي يكون التعافي في قدرتنا على البقاء داخل الغرفة حين تتعقّد الأمور أو تحتدم، إذا اعتدنا على المواجدة بلا تكلفة قد تذبل قدرتنا تدريجيًا على احتمال الصراع الواقعي، ثم نغدو أكثر ميلاً إلى النظر في الاحتكاك البشري الحتمي بوصفه خللا في النظام وليس فرصة للنمو والتغيّر.
لذلك فإن التحدي ليس رفض الأدوات والتقنية، ولا تمجيد نقص البشر، بقدر ماهو تمييز بين أن نستخدم الأداة لنهدأ وبين أن نستخدمها لنختبئ خلف الخوارزمية، قد تبدو مواجدة الذكاء الاصطناعي الخالية من المخاطرة مريحة، لكنها لا تُغني عن العمل المُجهد والمُربك الذي يرافق وجودنا مع إنسان يشبهنا، التلعثم، والصمت الطويل… ورجفة الصوت، في كل ذلك نُظهر للآخر بأنّه يهمّنا أمره، هذا العمل الغير كامل، والمحفوف بالمخاطرة، والمليء بالاحتمالات.. هو بالضبط ما يستحق أن نحافظ عليه.
مقال من المحللّة النفسية كارين ميسينا.

اترك رد