أن تكون أبًا

عندما احتفل لاعب كرة القدم النرويجي إرلينغ هالاند بأطول سلسلة تهديفية في مسيرته مع ناديه ومنتخب بلاده، كانت الأضواء والإشادات تنهال عليه من كل صوب حتى بدت الأسئلة تحاصره بعد كل مباراة يسجل فيها، عمّا اذا كان يعيش أفضل فترة في حياته فأجاب “بصراحة نعم!” كانت نغمة النرويجي هذه المرة مختلفة عن السنوات السابقة والتي كان يظهر فيها جوعًا للمزيد من الأهداف، هذه المرة برر إجابته بحدث رئيسي في حياته ” بصراحة لقد استفدت كثيراً من طفلي، أصبحت أكثر انعزالاً عن العالم، وعندما أعود للمنزل لا أفكر إطلاقاً في كرة القدم، أحاول الاسترخاء أكثر، لذلك طفلي الصغير هو من يستحق التحية على ما أعيشه اليوم!”، ورغم ما بدا من تعليقات ساخرة من متتبعي الساحرة المستديرة حول طبيعة اللاعب التهديفية والتعقيدات التي تنطوي عليها تكتيكات كرة القدم الحديثة وعلاقتها بوجود رضيع في المنزل، إلا أن هناك ما يفسّر تلك الإجابة للاعب عُرف عنه الأجوبة التلقائية.

ولم تكن العناوين البارزة لإجابته ببعيد عن الجدل الذي أحدثه أحد مؤسسي موقع «ريديت»، أليكس أوهانيان عندما أخذ إجازة أبوّة مدفوعة الأجر لمدة ١٦ أسبوعًا بعد أن رُزق بطفل، ثم أصبح يحفز الموظفين للاستمتاع بهذه الإجازة، ليصبح هناك حملة من المطالبات لمزيد من التضامن مع “الأباء الجدد” مقابل استغراب من مثل هذه المطالبات “الأموميّة”، وليس هذا غريبًا على ثقافتنا، فقد ذكر استطلاعٌ للأمم المتحدة عام ٢٠٢٣ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنّ ٨٦٪ من المشاركين يؤيّدون توسيع سياسات الإجازة المدفوعة، وأن ٧٦٪ من الرجال أفادوا بأنهم يقضون وقتًا أقلّ مما ينبغي مع أطفالهم، ليطرح أسئلة عديدة منها: كيف يمكننا إعادة تعريف دور الأب اليوم؟ هل الأبوّة إضافة تجميلية لدور الأم؟ أم أنها بُعدٌ تكاملي مستقلّ له آثاره على الأسرة؟ هل لهذا الدور تأثيره على الرجل ذلك التأثير الذي يجعل لاعب كرة قدم يسجل أهدافًا أكثر؟ أو رئيسًا تنفيذيًا يحفز موظفيه على المطالبه بحقوقهم في إجازات مطوّلة للمشاركة في رعاية أطفالهم؟

ربما يستطيع علماء الأعصاب أن يمهدوا لنا الطريق الذي نلتمس فيه حقيقة تأثير الأبوّة، فالكثير من الرجال يظنّون أنهم غير مجهّزين للأبوّة وأن دورهم في الأسرة لا يتجاوز النظرة التقليديّة التي تراه كمُعيل لا أكثر، لكن الدراسات العصبيّة تشير إلى خلاف ذلك، فقد وُجد أن الأبوّة تُحدث في أجساد الرجال وأدمغتهم تحوّلات عميقة، تمتدّ من بنية الدماغ إلى الهرمونات، إلى الصحة النفسية والشعور بالهويّة، وتسمّى هذه الفترة من التكيّف السريع والارتكان إلى دور الأب بعد الولادة “Patrescence” (طور التشكّل الأبوي)، وهذه التغيّرات تحمل دلالة واضحة: الانتقال إلى الأبوّة شأنه شأن الأمومة، حدثٌ رئيسيٌّ للرجل ينطوي على مخاطرٍ وفرص، حيث قامت دراسة حديثة (2025) على فرضيّات عدة تبرز تغيّر المعنى في حياة الرجل بعد الأبوّة وتربط ذلك بتغيّر الاتصال البنيوي الوظيفي في دماغ الرجل بعد أن يصبح أب، كما ربطت بين المعنى والمشاعر بالبنية الوظيفية للدماغ من خلال تجربة امتدت قبل ولادة الأم حتى بعد ستة أشهر منها، وتبيّن من نتائج الدراسة أنّ الآباء الجدد يمضون في عبورهم نحو الأبوّة بخطى نفسية تتسم على عمومها بالثبات؛ ومع أنّ بعضهم اكتشف في نفسه اتساعاً جديداً للمعنى، وجد آخرون أن هذا المعنى قد خبا شيئاً ما تحت وطأة التحوّل الجذريّ في حياته، وظهر أنّ الشعور بالمعنى الشخصي يتنافر مع ضغط الدور الجديد وما يرافقه من مشاعر سلبية، ويأنس بالمقابل إلى المشاعر الإيجابية التي تصطبغ بها التجربة الوالديّة حين تستقر في النفس، أما على المستوى العصبي، كشفت مقارنة مسوحات الدماغ قبل ولادة الزوجة وبعدها عن تغيرات لافتة في الاتصال الوظيفي خلال حالة الراحة، فقد ازداد الترابط في مساحات مثل القطبين الصدغيين (وهما منطقتان مهمتان لمعالجة عواطفنا، وتلعب دوراً في دمج المعلومات الحسية في هذه التجربة كمنظر ومسمع وملمس الرضيع) فيما تراجع هذا الترابط في مناطق أخرى كالفص الجبهي الأيمن، وما يستدعي التأمل هو أنّ ازدياد الاتصال في القشرة المعزولة والقطب الصدغي ارتبط بارتفاع الشعور بالمعنى بعد الولادة، وكأنّ الدماغ يعيد تشكيل دوائره ليقوم بإعداد الأب لاستيعاب دوره ورسوخه نفسياً، وتؤكد هذه النتائج أنّ الأبوّة ليست حدثاً اجتماعياً فحسب، بل تجربة نفسية ـ بيولوجية عميقة التطوّر.

ورغم أن المقالة ليست مسرحاً نتمثّل فيه البُنية المعقدة للدماغ، إلا أنه من اللافت أن نذكر تشابه الآباء بالأمهات في نتائج انخفاض بعض وظائف الاتصال الوظيفي في مرحلة ما بعد الولادة، حيث يفترض بعض العلماء أنّ هذا التراجع قد يكون جزءاً من عملية انتقائية أعمق؛ إذ يُضعف الدماغ بعض الروابط ليقوّي غيرها، فيستعيض عن الشبكات الواسعة بشبكات أكثر انتقاءً وفاعلية، وتكشف الفروق بين المناطق التي يرتبط اتصالها بحالة زمنية واحدة وتلك التي تغيّر اتصالها عبر الزمن أن الاحتفاظ بالشعور بالمعنى بعد مجيء الطفل ليس أمراً ثابتاً، بل يقوم على ديناميكيّة التكيّف العصبي، لا على أنماط جامدة من الارتباط، وهكذا يتبيّن أن التحوّلات نفسها – لا الحالات الساكنة – هي الأكثر ارتباطاً بقدرة الأب على الحفاظ على مستوى عالٍ من المعنى في مرحلة ما بعد الولادة.

وقد لا يستقيم الجزم عن أثر هذه التحوّلات على الآباء بأنها “جيدة” أو “سيئة”، إذ أنها في غالبها “تكيفيّة”، فالبنى النفس-عصبيّة للرجال تتغيّر بطرائق قد تعينهم على التكيّف مع دورهم الجديد، لكن الحُكم لم يُحسَم في ما إذا كانت هذه التغيّرات نافعة أو مُضرّة بسلامتهم النفسية، فكثير من الدراسات تجد هذا التغيّر مرتبط بمجموعة متباينة من الآثار، وعلى اتساقٍ مع أعمالٍ مشابهة لدى الأمهات، فمثلًا كلّما فقد الرجال حجمًا أكبر من “المادة الرمادية” كانوا أشدّ دافعيّةً للانخراط في الوالدية (مثلًا: صرّحوا بأملهم في أخذ إجازة أطول بعد ولادة الأم)، واستمتعوا بالأبوّة أكثر، وقضَوا وقتًا أطول مع أبنائهم، لكنّها وكما قال الشاعر “حلاوةٌ شُفّت بالمرائر!” لأن من فقدوا حجمًا أكبر من “المادة الرمادية” أيضاً كانوا يبلغون عن مشكلاتٍ أكثر في النوم، وعدم الاستقرار الوظيفيّ، وشعورهم بالإرهاق والعديد من الأعراض التي تشبه تلك التي تشتكي منها الأم.

وربما تفسّر هذه النتائج ما كان يعدّه علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا تغيّرًا في -أنماط وسمات الفرد- بعد أن يعيش تجربة الأبوّة، على سبيل المثال كان أستاذ علم الاجتماع ديفيد بوبينو يستشهد في كتابه “حياة بلا أب” بدراسات عديدة عن كون الأبوّة تسهم في تهذيب سلوك الرجل وتطوير صفات كالتضحية والمسؤولية بعد أن كان يميل الرجل قبل الأبوّة يميل للأنانيّة، وبذكر هذا الكتاب قد تكون فرصة لنعود لسؤال تقدّم في هذه المقالة عن أثر وجود الأب في حياة الطفل، والمقصد هنا الوجود الحقيقي والملموس، يفترض بوبينو في كتابه أن جذور أزمات العصر الحديثة، الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، تعود في أساسها إلى انهيار مؤسسة الأبوّة في كثير من المجتمعات، ويذهب إلى أن تقلّص حضور الأب داخل الأسرة يرتبط بوضوح مع معظم مظاهر التفكك الاجتماعي، مثل ارتفاع الجريمة، وجنوح الأحداث، وتراجع التحصيل التعليمي، وانتشار الاكتئاب والإدمان، إضافة إلى ازدياد معدلات الفقر بين النساء والأطفال، وليست باقي المجتمعات بمنأى عن ذلك على اختلاف الأرقام، ففي ألمانيا تقول الإحصائيات أن ٦٣٪ من الأحداث الجانحين كانت علاقتهم بالأب معدومة أو سيئة، وفي فرنسا ٧٥٪ من أرباب السوابق ينتمون لأسر مفككة، لا دور فيها للأب، وفي مصر كانت الأسباب ذاتها سبباً في جنوح الأحداث بنسبة تصل ٦٥٪، ليست هذه الأرقام الا صدى، أما المضمون واحد: إذا غاب الظل، اضطربت الجهات.

أو بتصويرٍ آخر قد يكون الأب نجمًا يهتدى به، فكثيرٌ مما يقدّمه الأب لنماء طفله يعتبر ثمرة وجود بالغٍ آخر في البيت، فتنشئة الصغار مهمّة شاقّة، ووجود بالغين اثنين لا يتيح لهما تبادل الأدوار فقط، بل يمكّن كل منهما الآخر من جبر نواقص بعضهما والبناء على مكامن القوة لديهما، فالآباء لديهم جملة من الخصائص الفريدة، بعضها مألوف لدينا: الحامي والنموذج، فالفتى الذي ينشأ بلا أب أكثر عرضة للمشكلات، والفتاة لديها الحاجة إلى تعلّمٍ لا يتيسّر لها من الأم وحدها، فقد تتعلّم من الأب الثقة في العلاقة مع الجنس الآخر، وأصول الأُلفة، وفهم الفروق، وقد تتعلم أن تقدّر أنوثتها في مرآة الرجل الأول في حياتها. والأهمّ من ذلك كلّه، من خلال حبّها لأبيها وتلقّيها الحب، يترسّخ لديها الشعور بأنها جديرة بالمحبّة، وقد أمدّنا التاريخ من سالف العصور حتى الأبحاث الحديثة ببصائر أعمق في دور الأب في حياة الأبناء؛ إذ تبيّن أنّ الآباء في جلّ تفاعلاتهم مع أطفالهم، يفعلون الأشياء على نحوٍ مغاير لما تفعله الأمهات، وهذا “الطِّراز الأبويّ” له أهميته في بلوغ التنشئة المثلى، على سبيل المثال: اللعب، فمن الطفولة حتى المراهقة يبدو أنّ لأسلوب الأب في اللعب أثرًا غير ملاحظ، إذ يغلب عليه أن يكون حيويًّا ومثيرًا ومشحونًا بالمحفّزات الجسدية، ومع تقدم سن الطفل يزداد انخراطه في ألعابٍ بدنية وتعاونية تتطلّب اختبارًا تنافسيًّا للمهارات الجسدية والذهنية، بينما تقضي عادة الأمهات في اللعب مع طفلها أسلوباً يكون على مستوى قدرة الطفل وسلامته، ولذلك يقول أحد الخبراء: “إنّ الأطفال الذين يخوضون شيئًا من اللعب الخشن مع آبائهم يتعلّمون سريعًا أنّ العضّ والركلَ وسائر أشكال العنف الجسدي غير مقبولة” وأضيف لما قاله أنهم يتعلّمون متى ينبغي أن يضعوا حدًّا لها.

ويمتد الأثر الأبويّ على البنية النفسية العميقة وعلى وجوه الحياة الظاهرة للأبناء على طول حياتهم، منذ بزوغ التكوين إلى آخر المطاف، يظلّ الأب حاضرًا في وجدان ابنه حضورًا نفسيًّا وإن غاب جسدًا؛ بل أن غيابه بعد كل هذا الحضور يشكّل الحدث الأكثر أسى، يقول رائد التحليل النفسي فرويد: “وفاة الأب هو الحدثُ الأهمُّ في حياةِ الرجل؛ إنّه خسارتُه الأشدُّ إيلامًا والأبلغُ مسًّا للفؤاد” وقد لا يُنكر ذلك من يرى صورة الأب بشموليّة، وبما تحمله من معنىً في عبور أعمار الحياة ومنازلها، بما تنطوي عليه من تحوّلات في فهم الخبرات الأولى بين الطفل ووالديه، من حيث كثافة الانفعال وتبادلاته. فكثيراً ماركزت الدراسات المبنية على نظرية الدافع بما تشتمل عليه من تصوّرات الإشباع والتسامي، إلى جانب البُنى المفاهيمية لعلم نفس الأنا ونظرية علاقات الموضِع المتصلة بمهمّة الانفصال والتمايز عن الآخرين على العلاقة بين الأب وابنه، بدئًا مما يوفّره الآباءُ من بيئةَ احتواءٍ ورعايةٍ مُواكِبةً للأم وطفلِها الصغير، هذه المرحلة التي تتكون فيها علاقة الأمّ بالطفل بتناغمٍ أوليّ هام في بناء ما سمّاه بولبي “قاعدةً آمنة”، احترام الأب لهذه الثنائيّة له بالغُ الأهمية في علاقة الطفل بأمِّه بوصفها “الآخر الأوّل”، ويشتمل مقامُ الأبوة هنا على وظيفته في التوفير والدعم، وعلى استجابته التعاطفية لاحتياجاتِ الطفل مع أمه، وهذا يُجسِّد الأساسَ النفسي للأبوّة كما يرى بندك، حيث يكون الأب في وظيفته منارةً خارجيةً لزوجته وطفله، بعدها سيمثِّل الآباءُ لأبنائهم “الآخر الثاني”، فهم يلاعبون أطفالهم بأساليب أكثر تحفيزًا وجِدّةً، وهم من تُدرك رعايتهم على أنها تفاعلٌ مُحفِّز، فلدى الطفل يُفهم حضور الأب غالبًا بمعنى: “الآن وقت اللعب!”، وبصفته رمزًا يستجيب الأب على نحوٍ مختلف لدافعية الرغبة، ينهض الأب تقليديًا بدورٍ تمثيليٍّ محوريٍّ في تعريف الطفل بالعالَم الخارجي الأوسع، وهذا التمثيل الأبوّيّ يبقى حتى حين تتبدّل القِسمةُ التقليديةُ بين الجنسين في شؤون التربية، حيث لا تعود الأمُّ وحدها هي الراعي الأوّل، فمثاليّة الأب بوصفه مندوب العالم الخارجي تعمل بقوةٍ كتمثيلٍ ثقافيّ حتى لو لم يُعزّزها الواقعُ الأسريّ، حتى أن الأطفال في أعداد متزايدة من الأسر التي لا تتبع إنتاج الانقسام النمطي ينسِجون أبًا بطوليًّا متخيَّلًا.

بعدها يلعب الأب دور الميسّر لاستقلال ابنه وتفرُّده، حين يحضرُ حضورًا مستجيبًا يحرّر الطفل من الجاذب نحو مركزية علاقة الأمّ، ويعرّفه بلطفٍ محسوب إلى عالم الخارج وما فيه من تحدٍّ واكتشاف، فهو يهدّئ التوتّر العاطفي، ويُظهِر للأبن استقلالَ أمّه، ويمنحه اعترافًا يُرسِّخ خبرته بذاته كفاعلٍ مُبادرٍ قادر على طلب حاجاته والسعي لتحقيقها، مع ما يستلزمه ذلك من حرمانٍ محسوب يُبقي جذوة الذاتيّة حيّة، وفي ظلّ تجاذب إنسانيٍّ قويٍّ بين الأب والابن، تنتقل علاقاتُ الطفل من ثنائية ضيقة إلى مثلّثٍ أكثر نضجًا، وفي مرحلة من مراحل الطفولة يكفلُ الأب أن يبقى هناك مَن تُوجَّه إليه المودّةُ حين تُثارُ في نفس الطفل مشاعر مضطربة تجاه الأمّ، ويحدث في هذا الأفق المتّسع الذي يغدو فيه الأب حاويًا لثنائية الأمّ والابن، وبفضل هذا الانقسام المتَّزن الملائم تخف حدّةُ التخيلات والانفعالات السلبية والعدوانية، حتى يصبح الفتى أقدر على احتمال الصراع والتباين الوجداني، وهو ما يصفه العلماء بالقدرةُ والكفاية لاستعادة العلاقة الحسنة مع الموضِع الأوّل، وهنا ينهض الأب بدورٍ فريد في تثبيت وظائف “الأنا” الأساسية لدى الطفل، تجربة الواقع وتهذيبُ الانفعال، وتنظيمُ المزاج والدوافع، وتركيزُ الانتباه، حتى يصل الأب بابنه إلى عالم الجماعة ويشاركه بالتوجيه؛ بدءً من مثلّث الأسرة إلى دوائر الأقران الأوسع، ويتكفّل التوجيه الأبوّي بتحويل الدوافع الفطرية إلى سلوك اجتماعي، وفتح منافذ تُحقّق رضا الذات لا الإشباع المباشر فحسب، وتترسّخ سمات كمواجهة الخوف واحتمال الألم؛ فينشأ كابحٌ داخلي لنزعات الشدة، وتظهر في صيغ عديدة: اللعب، والعطاء، والتعاطف، وبناء الصلة. 

“سيكبر الطفل، ويقود دراجته أبعد مما تخيّلت، ثم يعود ليتفقّد إن كنت هنا، وحتى لو لم تكن، سيبقى أثرك: طريقٌ مفتوح، ورؤية لا ترتبك”

يعيش بعضنا اليوم عالم سريع يرى الأبوّة مهمّة إضافية في جدولٍ مزدحم؛ بينما هي في حقيقتها المعنى الذي يُعطى لهذا الجدول، حين يضع الأب كل شيء جانبًا ويرى انعكاس صورته في عين طفله، يحدث شيء لا تلتقطه العدسات، يتعلّم الصغير أن له وزنًا في هذا العالم، وتصبح القواعد قابلة للحياة لأن من وضعها شارك الضحكة قبلها، فبين زجْر “لا تفعل” وتعليم ““”دعني أريك كيف” يختار الأب المسار الثاني، يشرح، ويصبر، ويرسم الحدود برحمة، هكذا يتكوّن في الداخل ميزانٌ صغير يعرف متى يقول نعم، ومتى يعتذر، ومتى يطلب المساعدة، ولا يتحقق ذلك بكماليّة الأب ومثاليّته إنما في صدقه، وحضوره “الجيد بما فيه الكفاية” لو سمح لنا وينيكوت بذات الاستعارة عن الأم، فالأب الذي يدرك أن الطقوس الصغيرة هي التي تصنع الفارق حين تتكرر لابنه، وله على حدٍّ سواء.

ولم يكن غريبًا ولا شاذًّا أن يشكر الأب ابنه على ما يجد فيه من تخفف من ضغوطات الحياة ومتطلباتها، ولو كان للنرويجيّ معرفة بالأدب العربي لواجه السخرية من إجابته بأبيات حطّان بن المعلّى، والذي وصف عاطفة الأبوّة تجاه بناته بأبلغ صورة: لولا بنيّاتٍ كزغْب القطا/ رُددن من بعضٍ إلى بعضِ /لكان لي مضطربٌ واسعٌ / في الأرض ذات الطول والعرضِ/ وإنما أولادنا بيننا/ أكبادنا تمشي على الأرضِ/ لو هبّت الريح على بعضهم/ لامتنعت عيني من الغمضِ! بهذا النغَم الرقيق أتصوّر الأبوّة..وأعيشها.


المصادر

Saxbe, D., & Martínez-García, M. (2024). Cortical volume reductions in men transitioning to first-time fatherhood reflect both parenting engagement and mental health risk. Cerebral Cortex34(4), bhae126.‏

Vaccaro, A. G., Newsome, P., Waizman, Y. H., Corner, G., & Saxbe, D. E. (2025). Intrinsic resting-state connectivity and personal meaning across the transition to fatherhood. Emotion.‏

Paternina-Die, M., Martínez-García, M., Pretus, C., Hoekzema, E., Barba-Müller, E., Martín de Blas, D., … & Carmona, S. (2020). The paternal transition entails neuroanatomic adaptations that are associated with the father’s brain response to his infant cues. Cerebral Cortex Communications1(1), tgaa082.‏

Posted in

اترك رد

اكتشاف المزيد من Alraqibi

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading