للتوافق الاجتماعي مزايا لا يمكن الاختلاف حولها، فالإنسان كائن اجتماعي كما يقال، يحتاج إلى الآخرين كما يحتاجون إليه، ويتعلم منذ طفولته كيف يتواصل، ويتعاون، ويحترم القواعد، إلى أن يشارك الجماعة حياتهم في الأفراح والأتراح، غير أن لكل قيمة حدودًا، وحين يتجاوز التوافق تلك الحدود يتحول من وسيلة للعيش مع الآخرين إلى غاية تذوب فيها شخصية الفرد، فإنه يفقد شيئًا جوهريًا من معنى النمو الإنساني: أن يعرف الإنسان من هو، وماذا يريد، ولماذا يختار ما يختاره؟
وقد يستقيم السؤال الدارج اليوم: هل يندمج أطفالنا مع الآخرين؟ حين يتحول إلى: هل يملكون القدرة على الاندماج دون أن يفقدوا أنفسهم؟
يقول أحد الكتّاب الذين تأثروا من الموجة التربوية التي تبالغ في أثر التوافق الاجتماعي: “كان ابني في السابعة من عمره يحب أن يقضي وقت فراغه في المكوث تحت شجرة الكرز ويروي الحكايات ويطلق لخياله العنان، كان يجد في عزلته عالمًا كاملًا من المغامرات؛ أحيانًا يحكي عن قرصانًا فقد لسانه دون أن يشعر أحد لأن طائرًا على كتفه يتحدث نيابة عنه، وصبيًا يملك سفينة يبحر بها في رحلات طويلة وكلما رأى أن من الممتع لركابها ألا يعودوا إلى بيوتهم في اليوم نفسه مضى بهم لمسافة أبعد، لذلك كنت آسفًا لأن ابني لم يقضِ الصيف المنصرم في حديقتي، وإنما أجبرته للتسجيل في المركز الصيفي، حيث لعب مع نادي المركز الرياضي كما تعلّم أن يلعب دور مساعد الطاهي، وواقع الأمر أنه لم يكن مهتماً بالذهاب إلى المركز لكن تقاريره المدرسية كانت تشير لافتقاره إلى “الخبرات الاجتماعية”، كان كثيرًا ما يحلم في يقظته، ويجلس وحده في الملعب، وكان أساتذته يرون فيه طفلًا موهوبً لكنهم كانوا يؤكدون أنه ينبغي أن يتعلم كيف «يندمج» و«يتعاون» مع زملائه.” وليس بغريب عنّا ذلك فكثيرًا ما ننظر بعين القلق للطفل الذي يفضل الجلوس وحده، أو الذي يستغرق في أحلامه وخيالاته، وكأن الوحدة في ذاتها مشكلة ينبغي علاجها، وقد ندفعه إلى فريق رياضي، أو نشاط اجتماعي، ليس لأنه يريد ذلك بل لأننا نخشى أن يفوته شيء مما نسميه “الخبرة الاجتماعية”.
ولا شك أن الخبرة الاجتماعية مهمة وأن العلاقات الصحية ضرورة للنمو النفسي، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح القبول الاجتماعي معيارًا وحيدًا للحكم على صحة الطفل، وحين نربط سلامته النفسية بمدى قدرته على التشبه بمن حوله، خصوصاً أن الدراسات المعاصرة تمنحنا صورة أكثر تعقيدًا؛ فتأثير الأقران حقيقي وقوي، ولا سيما خلال مرحلة المراهقة حيث وجدت المراجعات العلمية أن سلوك الأقران يمكن أن يؤثر في اتجاهات المراهقين وسلوكياتهم، سواء بصورة إيجابية أو سلبية، كما أن التوافق مع الجماعة قد يؤدي أحيانًا إلى تقليل الفروق الفردية بهدف تعزيز الانتماء، وهنا تكمن المفارقة: هل نريد أبناء قادرين على تكوين العلاقات أو أسرى لها؟ هل نريدهم أن يعرفوا كيف يستمعون إلى الآخرين لدرجة أن يفقدوا فيها قدرتهم على الإصغاء إلى أصواتهم الداخلية؛؟ هل نريدهم أن يتعاونوا لدرجة أن يتخلوا عن قناعاتهم لمجرد أن الأغلبية اختارت طريقًا آخر
الطفل الذي يقول «لا» ليس بالضرورة طفلًا مضطربًا، كما أن الطفل الذي ينسجم مع المجموعة ليس بالضرورة أن يكون أكثر نضجًا، هناك فرق جوهري بين طفل يختار الوحدة لأنه يخشى الآخر أو يعجز عن تكوين العلاقات، وطفل يختارها لأنه يجد فيها فرصة للتفكير، والقراءة، والخيال، أو ممارسة اهتمام لا يجد له مكانًا في النشاط الجماعي، وقد أكدت الأدبيات الحديثة حول العزلة لدى الأطفال والمراهقين أن الوقت الذي يقضيه الفرد منفردًا ليس ظاهرة ذات معنى واحد؛ فقد يكون أحيانًا مرتبطًا بالانسحاب أو الوحدة النفسية، لكن في ظروف أخرى قد يكون مساحة تساعد على التنظيم الذاتي والاستقلالية وتكوين الهوية، ولذلك فإن الحكم على الوحدة ينبغي ألا يعتمد على ظاهرها فقط، بل على سببها وتجربة الطفل خلالها وما إذا كانت اختيارية ومريحة أم مفروضة ومؤلمة.
وتكتسب هذه الفكرة دعمًا واضحًا من أبحاث “نظرية التحديد الذاتي”، التي تضع الاستقلالية والكفاءة والانتماء ضمن الاحتياجات النفسية الأساسية للإنسان، وقد وجدت تحليلات حديثة أن خبرات الاستقلالية لدى الأطفال والمراهقين ترتبط بصورة مهمة بالرفاه النفسي، كما أظهرت مراجعات لتدخلات تربوية أن الممارسات التي تدعم استقلالية الطفل والمراهق يمكن أن تعزز الدافعية الذاتية لديه، ومعنى ذلك أن التربية لا تقتصر على السؤال الدارج: كيف تندمج مع الآخرين؟ بل ينبغي أن تسأل أيضًا: كيف تجد نفسك مع الآخرين؟ هل يغير الطفل رأيه لأنه اقتنع، أم لأنه خشي أن يختلف عن الآخرين؟ هل يختار أصدقاءه واهتماماته وقيمه لأنه وجد فيها معنى حقيقيًا، أم لأنه يخشى أن يكون مختلفًا؟ هل يستطيع أن يقول “لا” عندما تفرض عليه “نعم”؟ وهل يستطيع أن يقضي بعض الوقت بمفرده دون أن يشعر بأنه ناقص أو غريب؟ ولا تدعو هذه الأسئلة إلى الأنانية أو الانطواء أو رفض المجتمع؛ إنما هي دعوة إلى بناء شخصية متوازنة تستطيع الجمع بين الانتماء والاستقلال، والتعاون والاختيار، والعلاقات والخصوصية.
ولا يمكن أيضًا أن نتصور أن الاستقلالية تعني أن يُترك الأبناء يفعلون ما يشاؤون دون توجيه، فالاستقلالية الصحية لا تعني بالضرورة غياب الحدود، وإنما تعني أن يُمنح الطفل مساحة مناسبة للاختيار، وأن يُشرح له السبب، وأن يجد من يساعده على التفكير في النتائج، وأن يجد من يحترم مشاعره مع تعليمه تحمل المسؤولية، وهذا المعنى التي يربط دعم الاستقلالية لدى الأطفال بنتائج نفسية إيجابية، بدل أن تكون التربية قائمة على السيطرة أو الإكراه، ولذلك إذا كان الطفل يحب النشاط المنفرد أكثر من اللعب الجماعي، فلا ينبغي أن يعد ذلك عيبًا؛ إذا كان يستمتع بالرسم أو البرمجة أو العلوم أو الكتابة، فليس من الضروري أن يشبه اهتمامات أقرانه؛ وإذا كان يحتاج إلى بعض الوقت منفردًا، فانظر ماذا يفعل في وحدته؟ وما الذي يشعر به خلالها؟ وهل يختارها أم يهرب إليها؟ قد يكون في ذلك الوقت الهادئ شيء لا تستطيع الجماعة أن تمنحه له.
والإبداع نفسه لا ينمو في فراغ، لكنه يحتاج إلى مساحة تسمح للفرد بالتجريب والاختلاف؛ وتشير مراجعات الأبحاث المتعلقة بإبداع المراهقين إلى أن نمو الإبداع يتأثر بعوامل فردية وأسرية وتعليمية، وأن البيئة المحيطة يمكن أن تؤدي دورًا في دعمه أو إضعافه، والمجتمع الصحي لا يحتاج إلى أفراد متشابهين تمامًا، بل يحتاج إلى أفراد متنوعين قادرين على التعاون رغم اختلافهم، فالفرد لا يقدم للمجتمع شيئًا حقيقيًا حين يتخلى عن شخصيته بالكامل، وإنما يقدم أفضل ما لديه حين يعرف قدراته وميوله وقيمه، ثم يوظفها في خدمة نفسه والآخرين.
لذلك نحتاج أن نضع التوافق الاجتماعي في مكانه الصحيح: قيمة مهمة، لكنها ليست الغاية النهائية للتربية، نريد أبناء قادرين على بناء الصداقات، واحترام الآخرين، والعمل ضمن فريق، والتعاطف والتعاون، وكذلك نريدهم قادرين على التفكير المستقل، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، ومقاومة الضغط، والاحتفاظ بحقهم المشروع في الاختلاف.
وعندما تكون التربية قائمة على أن يحترم الابن ميوله دون احتقار ميول الآخرين، وأن يؤمن بأفكاره دون أن يعتقد أن أفكاره وحدها صحيحة، وأن يعرف كيف يطلب المشورة دون أن يسلم عقله للآخر، وأن يعيش مع الجماعة دون أن يفقد القدرة على العيش مع نفسه، حينها ستقدم أجمل ما يمكن أن يقدم للطفل، ليس أن نجعله محبوبًا من الجميع، وإنما أن نساعده على أن يصبح متصالحًا مع ذاته، قادرًا على الاختيار، واعيًا بقيمته، وقادرًا على بناء علاقات صحية دون تبعية.
المصادر: Vite, A., Patall, E. A., & Chen, M. (2024). Relationships Between Experiences of Autonomy and Well(Ill)-Being for K-12 Youth: A Meta-Analysis. Educational Psychology Review, 36, 127.
Laursen, B., & Veenstra, R. (2021). Toward understanding the functions of peer influence: A summary and synthesis of recent empirical research. Journal of Research on Adolescence, 31, 889–907.
Chen, X., Liu, J., Schmidt, L. A., & Ding, X. (2024). Causes and consequences of solitude in children and adolescents. Frontiers in Psychiatry.

اترك رد